محمد بن جرير الطبري

134

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة واستقرارهم فيها ، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة . فإذ كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله ، كما هو من قيلهم في وسطه وما يتلوه ، فمعلوم أنه محال أن يكون من قيلهم لأَول رزق رزقوه من ثمار الجنة : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ هذا من ثمار الجنة . وكيف يجوز أن يقولوا لأَول رزق رزقوه من ثمارها ولما يتقدمه عندهم غيره : هذا هو الذي رزقناه من قبل ؛ إلا أن ينسبهم ذو غرة وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه ، أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم لأَول رزق رزقوه منها من ثمارها ، فيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله : كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً من غير نصب دلالة على أنه معني به حال من أحوالهم دون حال . فقد تبين بما بينا أن معنى الآية : كلما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقا ، قالوا : هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا . فإن سألنا سائل فقال : وكيف قال القوم : هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ والذي رزقوه من قبل قد عدم بأكلهم إياه ؟ وكيف يجوز أن يقول أهل الجنة قولا لا حقيقة له ؟ قيل : إن الأَمر على غير ما ذهبت إليه في ذلك ، وإنما معناه : هذا من النوع الذي رزقناه من قبل هذا من الثمار والرزق ، كالرجل يقول لآخر : قد أعد لك فلان من الطعام كذا وكذا من ألوان الطبيخ والشواء والحلوى ، فيقول المقول له ذاك : هذا طعامي في منزلي . يعني بذلك أن النوع الذي ذكر له صاحبه أنه أعده له من الطعام هو طعامه ، لأَن أعيان ما أخبره صاحبه أنه قد أعده له هو طعامه . بل ذلك مما لا يجوز لسامع سمعه يقول ذلك أن يتوهم أنه أراده أو قصده ؛ لأَن ذلك خلاف مخرج كلام المتكلم ؛ وإنما يوجه كلام كل متكلم إلى المعروف في الناس من مخارجه دون المجهول من معانيه . فكذلك ذلك في قوله : قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ إذ كان ما كانوا رزقوه من قبل قد فني وعدم ؛ فمعلوم أنهم عنوا بذلك هذا من النوع الذي رزقناه من قبل ، ومن جنسه في التسميات والأَلوان على ما قد بينا من القول في ذلك في كتابنا هذا . وقد زعم بعض أهل العربية أن معنى قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً أنه متشابه في الفضل : أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للآخر في نحوه . قال أبو جعفر : وليس هذا قولا نستجيز التشاغل بالدلالة على فساده لخروجه عن قول جميع علماء أهل التأويل ، وحسب قول بخروجه عن قول أهل العلم دلالة على خطئه القول في تأول قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال أبو جعفر : والهاء في قوله : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً عائدة على الرزق ، فتأويله : وأتوا بالذي رزقوا من ثمارها متشابها وقد اختلف أهل التأويل في تأويل المتشابه في ذلك ، فقال بعضهم : تشابهه أن كله خيار لا رذل فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا خلاد بن أسلم ، قال : أخبرنا النضر بن شميل ، قال : أخبرنا أبو عامر عن الحسن في قوله : مُتَشابِهاً قال : خيارا كلها لا رذل فيها . وحدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن أبي رجاء : قرأ الحسن آيات من البقرة ، فأتى على هذه الآية : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال : ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه ؟ وإن ذلك ليس فيه رذل وحدثنا الحسن بن يحيى ، قال : حدثنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، قال : قال الحسن : وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً قال : يشبه